الجمعة، 22 فبراير 2013

دراسة عقلانية لمسألة عتاب الله للنبي محمد (ص)


بسم الله الرحمن الرحيم :

عتاب الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، هي قضية، وحسب علمي، لم تُدرس بشكل عقلاني من طرف السلف، وتم التعرض لها من وجهة نظر روائية لم يتم استنباط الحكمة منها ولا استخراج الأهداف الرئيسية من إثارتها قرآنيا، وذلك من أجل مواجهة أعداء الإسلام ممن يرون في هذه المسألة ثغرة ينفذون من خلالها لدحض إلهية الرسالة المحمدية.
 ولكي ندرس المسألة بشكل أكثر توسعا ونحلل قضية خطأ النبي أو ما أحب أن أسميه عتاب الله لنبيه، وذلك تأدبا مع النبي الأكرم أولا وثانيا لأنني لا أعتبره خطأ بالمعنى التقليدي، أقدم تحليلا للمسألة من خلال تصوري الخاص الذي اجتهدت فيه حسب قناعاتي الدينية وحسب ومنهجي وتصوري للأمر برمته غير متأثر بأي تيار فكري.
إن مسألة عتاب الله لنبيه او ما يعتبره البعض خطأ ، هي قضية كل يراها حسب قناعاته الفكرية الدينية.
فتصور المسلمين ليس كتصور الملاحدة.
وفي داخل المسلمين، يختلف تصور المتمذهبين، فتصور أهل السنة ليس كتصور أهل الشيعة.
فيما يظل آخرون من رافضي كل التراث غير مقتنعين بأي رواية تاريخية.

التصور الأول :
فالملاحدة يعتبرون ذلك ثغرة يشككون فيها في الدين، فهم يرون أن من أتى بالدين لا يمكن أن يخطئ، ومادام قد أخطأ فالدين الذي حمله هو في مهب الريح.
وهؤلاء يكفيهم أن يفهموا أن إمكانية خطأ النبي كإنسان غير خطأ النبي كرسول.
فرسالة النبي بلغت بأمانة لقومه، كما نؤمن بذلك نحن المسلمون.
ومواقف النبي الإنسانية في حياته الخاصة أو مع قومه، لا تخرج عن دائرة الحياة العادية التي يمكن أن تحكمها تعاملات معينة أو تتخللها أخطاء هي نسبية لظروف حدوثها.
ثم أن عتاب الله لنبيه هو أكبر دليل على صدق دعوته وصحة رسالته.
وهذا العتاب يضرب بعمق ادعاء اختراع النبي للقرآن وأنه كلامه.
فكيف لنبي يؤلف قرآنا – كما يدعي الملاحدة – ويضع نفسه في موقف المعاتب ؟؟؟
هل رأيت زعيما يحاول التزعم على الناس ويأتي بكلام ينتقد فيه نفسه ؟؟؟؟
فالمسألة إذن بالنسبة للملاحدة لا جدال فيها بعد هذا الكلام.

التصور الثاني :
أهل السنة رغم عدم اختلافي معهم في هذه القضية بالذات، فهم لم يذهبوا إلى تحليل المسألة ولم يعطوها الاهتمام الذي تستحق، واكتفوا بتصديق روايات التراث جملة وتفصيلا، حتى ولو تعارضت في بعض الأحيان مع العقل والمنطق.
وتبقى نقطة ضعفهم في عدم مواجهة المعارضين بالحجة والبرهان، واكتفائهم بالرواية في معظم الأحوال.

التصور الثالث :
وأهل الشيعة ينفون أي خطأ للنبي فهو بالنسبة لهم معصوم من الخطأ، ومعه بعض أهل البيت وأئمتهم.
وهؤلاء طبعا معتقدون بالعصمة قبل أن يستدلوا، وهم يؤمنون بذلك فقط لتعميمه على أئمتهم !!
ومبدأ العصمة بشكل هو مرفوض قرآنيا بدليل عتاب الله لنبيه في أكثر من مرة.
ولا عصمة إلا في الرسالة.
والآية الوحيدة التي تتكلم عن العصمة في القرآن هي آية :
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

والعصمة لغة هي الحفظ والمنعة.
واعتصمت بالله أي امتنعت به من الشر.
والله يعصمك من الناس أي حفظك منهم ويمنع أذاهم عنك.
والآية واضحة المعالم والبيان، فقد سبقت الرسالة ذكر العصمة، وعليه فالعصمة متعلقة بالرسالة.
ثم أن العصمة جاءت محددة بالناس، فلم يقل يعصمك من الخطأ أو من أي شيء آخر، بل قال يعصمك من الناس.
فهل يبقى أي تصور للعصمة غير ما قلناه وأقره القرآن ؟؟؟

التصور الرابع :
 يذهب فيه البعض ممن يرفضون التراث جملة وتفصيلا، إلى رفض أي وقائع تاريخية للمواقف التي عاتب الله فيها نبيه.
فهم بحكم عدم تصديقهم لأي شيء من التراث، وبالتالي وجب رفضهم للتاريخ أيضا، فهم لا يتصورون أن يصدر من النبي أي تعامل إنساني بشري مع المواقف التي يمكن أن يتعرض لها النبي في حياته.
وهم لا يدرون أن المسألة ليست خاضعة لتصورات أو قناعات شخصية، بل المسألة هي مسألة وقائع وأحداث يجب التعامل معها واستيعابها والتوفيق بينها وبين المبادئ العامة للدين.
فهم في مسألة "الأعمى" مثلا و الذي ورد ذكره في سورة "عبس"، ينفون أي علاقة للآيات بالنبي محمد (ص)، وذلك لعدم تصورهم لأن يعبس النبي في وجه أحد.
ولا أدري أي فهم وأي منطق لدى من يؤدي عدم استيعابه لأي مسألة أن ينكرها جملة وتفصيلا !!!
ولا أدري هل العبوس حرام أم جريمة لكي ترى المسألة بهذا الشكل ؟؟؟
والذي يرفض عبوس النبي، من المفروض أن يرفض كل حالات عتاب الله للنبي، فمن لا يعبس في وجه أحد، لا يقع في مواقف حالات العتاب الأخرى.
 التصور الخامس :
إلا أن المسلم العقلاني الغير المتمذهب والذي يقف بين هاته التصورات، يحاول تبني تصور مبني على قناعات يحكمها العقل والمنطق المتوافقين مع المنظومة القرآنية، وفي نفس الوقت متبعا منهجا علميا في استقراء التاريخ فيقبل ما هو مقبول ويرفض ما يعارض المرجعية الثابتة وهي القرآن الكريم إذا تمكن ذلك طبعا.
بالنسبة لي وأنا مع هذا التوجه الأخير، لا أرى أي إشكالية في قبول الرواية التاريخية التي حملها التراث.
وهذا ليس انتصارا للمذهب السني التقليدي، أو لمجرد معاداة للمذهب الشيعي، كما سيفهم بعض الغلاة الجهلاء..
فقد بيننا مرارا أنه ليس كل تقاطع في الآراء والمواقف هو توافق في المنهج والتوجه...
وإنما هو انتصار للحق ورؤية موضوعية بعيدة عن متاهات الآراء المتفرقة والمتشرذمة.

أولا :
ما تسمى بأخطاء النبي التي عاتبه الله عليها هي لا تتعلق بالرسالة بل متعلقة بجوانب من حياته العادية.
ثانيا :
 هي في تقديري الخاص ليست أخطاء بالمفهوم البشري أو نسبة إلى الحكم البشري بل هي كذلك نسبة إلى الحكم الإلهي.
فكون الله رآها كذلك لا يقتضي بالضرورة أن نراها بنفس الطريقة.
أي أنه لو لم يكن الله قد عاتبه في هذه المواقف وأخبرنا بذلك، لم نكن لنجد فيها الخطأ.
فرؤية البشر لمسألة ما هي غير رؤية الله التي يدخل فيها علمه المسبق بصحة الموقف من عدمه، ولعوامل عدة غير متاحة للبشر كإلمامه بالغيب مثلا.
ففي قصة النبي مع ابن أم مكتوم حكم الله على الموقف هو مترتب على علم أو تصور غيبي بالمسألة، و هذا واضح في قوله تعالى :
وهذه المسألة بالذات أنكر حدوثها المعارضون وخصوصا الشيعة واعتبروها حدثت لعثمان بن عفان وليست للنبي !! وهذا قول باطل لعدة أسباب :
أولا : مخاطبة الله للنبي واضحة لا تجعل مجالا للشك ولو للحظة أن المعني بالأمر هو شخص آخر غير النبي، فكاف المخاطب هنا تعني من نزل عليه الوحي (القرآن) وليس هو أي أحد سوى النبي محمد (ص).
ثانيا : زعم الشيعة أن المقصود عثمان، هو له ما يفسره، وهو طبعا نسبهم لأي شيء يتصورون أنه شيء بشع (ونحن نراه شيئا عاديا) إلى صحابي مكروه لديهم، فلم يجدوا إلا عثمان.
وطبعا هذا مرفوض ليس انتصارا لعثمان ،فعثمان أصلا ليس في درجة أو مستوى يخاطبه الله أو يتحدث عنه بهذه القضية، بل لأنه حتى لو فرضنا ذلك، فما علاقة النبي بذلك، وما علاقة المسلمين بذلك، وما قيمة هذا الحدث إذا وقع لعثمان أو لأي صحابي آخر !!!
هذا ناهيك عن أنه ليس هناك أي تفسيرمقبول  لأن ينسب السلف من السنة هذه الواقعة للنبي في حين أنها لعثمان ؟؟؟
فمن له المصلحة في ذلك وكيف يكون هناك إجماع عليها  ومن يجرؤ على ذلك ؟؟؟
أما عمن يرفضها جملة وتفصيلا، فمن اللازم أن يضع لنا بديلا للرواية الموجودة حاليا، وأن تكون مقبولة عقليا ومنطقيا وتاريخيا، لا أن يرفضها هكذا لمجرد عدم تصوره لعبوس النبي.
وبالتالي فهو توهم وانتصار للرأي لا غير، ومحاولة الاستدلال بالخيال وليس بواقع مفروض.
ومن له قصة أخرى فليخبرنا بها وليأت بدليلوإلا فعلى أساس ذلك فسنرفض الكثير الكثير وستكون هناك آيات كثيرة قائمة على أحداث تاريخية وستبقى بدون أي تفسير أو بيان !!!
ثم أن هذه القضية هي حتى لو كنا محايدين ولم نقبل بأي تأريخ لها، فعلميا هي مسألة لا يمكن إثبات صحتها، كما لا يمكن إنكارها، مثلها مثل العديد من الأحداث والوقائع.
وبالتالي ليس أمامنا إلا تصديق الواقعة، مادام ليس هناك بديل آخر مقبول.
فالواقعة كما ذكرت تاريخيا موافقة للعقل والمنطق، وإذا كان البعض لا يريد هضمها فلأن عقله لم يستوعب ذلك، وضخم الأمر أكثر من اللازم، في حين أن المسألة بسيطة ولا تحتاج لكل هذه الجعجعة.
وإذا أردنا تفسيرا أكثر قلنا بأن موقف النبي من "الأعمى" هو موقف فرضه الظرف الذي كان فيها النبي مشغولا بمناقشة المشركين في أمر الرسالة، وهو أكبر ما يمكن أن ينشغل فيه النبي عن أي أمر آخر، فتدخل الأعمى في النقاش بهذه الكيفية وفي ذلك الظرف وفي ذلك مقاطعة للمجلس والحديث فأرى من الطبيعي أن يعرض عنه خصوصا وأنه لا يعلم ما القصد من مجيئه.
بل بالعكس لو فعل غير ذلك لاتهم بالتقصير وبتجاهل كبار القوم الذين يؤثرون بشكل رئيسي في الرسالة برمتها.
وإذا عدنا إلى ما يسمى بأخطاء النبي، فأنا أؤكد وأكرر و أعتبرها شخصيا ليست بأخطاء.
فإذا أخذنا مثلا مسألة إذن النبي بالجهاد في آية :
عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ
فمسألة تحقق النبي من صدق من تخلف عن الجهاد من عدمه، ليس ضرورة يقتضيها الموقف في حد ذاته، بل هي متعلقة بصدق إيمان هؤلاء وهي مسألة لا يمكن أن نستجلي نحن البشر مدى صحة موقف النبي من عدمه.
ولذلك قلنا من قبل أن الخطأ إن قبلنا بالتعبير، هو خطأ نسبي وليس مطلق، أي نسبة للحكم الإلهي.
والحالات المعدودة التي عاتب الله فيها عز وجل نبيه هي حالات كان فيها الخطأ نسبيا وليس مطلقا...
فما يصح لله لا يصح لنا.
وإذا قسنا تصرف النبي بالنسبة لرؤيتنا نحن البشر فسنجده تصرفا إنسانيا عاديا طبقا للظروف التي حكمت هذه الحالات المعدودة.
وإذا كان لله الحق في أن يعاتب نبيه، فليس لنا بالمقابل الحق في ذلك، ولا في تصور ذلك بنفس المقياس.
فكيف لمن هو أكثر خطأ وعصيانا وهم نحن البشر أن يتصور خطأ النبي ؟؟
أما إذا حللنا هذه المواقف، فسنجد أن الحكمة من العتاب ليست هي عتاب النبي في حد ذاته أو تخطئته، بل هي لهدفين رئيسيين :
-  تنبيه وتذكير ببشرية الرسول، وأن عصمته ترتبط برسالته وليس بأي شيء آخر.
-  هي تدخل في نطاق الحكمة التي يعلمها الله لنبيه، في التعامل مع المواقف والأحداث، وأن يذكره بأنه أسوة للمسلمين، لا يصح له ما يصح لغيره.
وإذا أخذنا مثلا حالة عتاب الله لنبيه في آية :
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
سنجد أن موقف النبي منها لا يجوز باعتباره أسوة للناس وليس باعتباره زوجا عاديا.
فالعتاب هو بالنسبة لمقام النبوة الذي يجب أن يراعى فيه ما لا يراعى في مقام آخر.
في الأخير بقي أن ننبه إلى أمر رئيسي هو :
تدبرنا لبعض ما جاء به القرآن لا يمكن أن يتم عبر تجاهل ما ارتبط به تاريخيا.
وقبولنا لما جاء في التراث وارتبط بالأحداث الذي أشار إليها القرآن، أو رفضنا له لا ينبغي أن تأثر لا بتقوقع مذهبي ولا بحقد طائفي ولا بمنهج متطرف عانى من تطرف مقابل، بل ينبغي أن ينبني على مبدأ حسن الظن إلى أن يثبت العكس، ثم أن يكون القبول أو الرفض قائما على منهج عقلاني وعلمي يطبق منهج الاستقراء التاريخي لأي حدث أو واقعة.
وهذا ما أردت أن أوصله بشكل رئيسي عبر إثارة الموضوع الحالي.
وهذا ما جادت به قريحتي في القضية، والله أعلم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك برأيك، وكن من المتفاعلين...