الخميس، 21 فبراير 2013

مدخل إلى مشروع تقويم موروثنا الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم  :
هناك قضايا دينية أثارت الجدل عبر العصور، وطرحت و مازالت تطرح إشكاليات عديدة لكونها خضعت لمقاربة دينية تم الاحتكام فيها أساسا على الأحاديث النبوية كمصدر رئيسي اعتقادا أن القرآن الكريم لم يتطرق إليها،  في حين أنه أشار إليها و لم يفصل أو تعمد عدم ذكرها من أجل حكمة لا يعلمها إلا هو عز وجل.

من الأدوات الرئيسية لهذا المشروع محاولة نقد الروايات التي وصلتنا عن طريق كتب الحديث أو السنن كما سميت أو غيرها و غربلتها - إن صح التعبير- وتنقيتها من تلك التي تخالف القرآن بشكل رئيسي ثم  العقل و المنطق المرتبطين بالهدي القرآني بشكل ثانوي ، والتي يستشهد بها الناس لمعرفة أحكام شريعتهم من دون أن يقتنعوا بصحتها أو سلامة مصدرها.

الهدف الأسمى لهذه الدراسة ليس إنكار الحديث مجملا كما يمكن أن يفهم البعض ممن لم يألفوا هذا النوع من الاجتهاد والبحث، ولكنه وضع الحديث النبوي أو ما وصلنا من الروايات في إطاره الصحيح.

الموضوع في حد ذاته تطرق إليه الكثير من رجالات الفكر سواء بشكل محتشم وغير مباشر أو بطريقة عنيفة تم من خلالها الرفض المطلق لكل التراث !!!، في حين وقف ومازال علماء آخرون عاجزين أو بالأحرى تنقصهم الجرأة و الشجاعة الكافية لإثارته ظنا منهم أن ذلك من شأنه أن يثير الفتنة ويحدث البلبلة.

وانطلاقا من قوله تعالى :

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا

فهذه الدراسة إذن هي محاولة شجاعة لتصحيح بعض مفاهيم ديننا الإسلامي وتقويم لموروثنا الديني عن طريق تكريس الاجتهاد العقلاني و إسقاط التبعية العمياء.


أما الدافع الرئيسي الذي حثني على الانكباب على هذا المشروع هو أولا و أخيرا دافع إيجابي، وهو نقد بناء من أجل خدمة ديننا الحنيف و ليس نقدا من أجل الهدم أو استغلال ثغرات هدفها النيل من الإسلام كما سيفهم بعض الغلاة الجهلاء.

وسيكون منهج هذه الدراسة منهجا وسطيا معتدلا كما أمرنا الله في كتابه العزيز حيث قال  :( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ( .
وفي هذا المقال سأقتصر على نقطتين اثنتين :

تحليل الوضعية الراهنة ثم اقتراح مناهج للنقد.


إن موضوع حجية الأحاديث النبوية أو ما أحب أن اسميها بالروايات بحكم ظنية صدورها، يقف فيه ثلاثة أطراف :
الطرف الأول : السلفيون وأقصد بهم المدافعون على الأحاديث، ويعتبرونها من السنة.
الطرف الثاني : ما يسمى أو ما يسمون أنفسهم بأهل القرآن مع اعتراضي على هذه التسمية و هم إلى حد الساعة قلائل و لكنهم في ازدياد نسبي.
-
الطرف الثالثالمجددون أو التنويريون.
وهم  المفكرون المستقلون الذين يتبعون ما أنزل الله غير متأثرين لا بمذهب ولا بتيار.

وهناك طبعا عامة الناس الذين يوالون هذه الطائفة أو تلك.
والمشكلة هي أن هذا الخلاف الموجود حاليا والمرتبط بالموضوع وكذا الطريقة التي يتم طرحه بها في معظم المنابر الإعلامية، سواء على النت أو على القنوات الإعلامية الأخرى، من وجهة نظري لا تخدم أحدا.
كيف ذلك ؟ سأشرح لماذا؟
الطرف الأول متعصب لرأيه و يرفض أي نقاش أو اعتراض أو اجتهاد في الموضوع فهو بالنسبة لهم محسوم نهائيا و في نظرهم أن علماء السلف انهوا كل المداد في الكتابة فيه. وهم يشهرون سلاح التكفير و الجهل و عدم التخصص في كل من يحاول نقد الموضوع.

وهؤلاء بدورهم ينقسمون في الحقيقة إلى 3 أقسام :

قسم يفعل ذلك و يحسبون أنهم يحسنون صنعا ظنا منهم أنهم يحمون الدين و العقيدة و الثراث، و هم الأكثرية ولهم عذرهم لأنهم تلقوا علمهم بطريقة تقليدية لم تترك لهم المجال للتفكير أو استخدام العقل.

و قسم يفعل ذلك لاتقاء الفتنة وهم علماء تقاة يعلمون بثغرات موروثنا الإسلامي ولكن ليس لهم الشجاعة والجرأة الكافية للخوض في هذا النوع من الإشكالات أو إثارثها طنا منهم أن ذلك من شأنه أن يخلق فتنة.

وقسم يفعل ذلك احتكارا للعلم و تعصبا وتقليدا أقل ما يمكن أن نقول عنه انه أعمى، ويرفضون مجرد التطرق للموضوع.

ثم الطرف الثاني أي "القرآنيون" فهم أناس أرادوا تصحيح بعض المفاهيم المرتبطة بالموروث الديني فبدأوا بالاستفهام ثم تحولوا إلى النقد و بعد ذلك تحولوا إلى إنكار كل التراث الإسلامي مستثنين القرآن الكريم، ثم بعد ذلك بدأووا في الغوص في آيات القرآن الكريم و استخراج منها أشياء غريبة و فتاوى اعتمادا على تأويلات عقلية ضاربين بعرض الحائط العوامل التاريخية وأسباب النزول و غير ذلك.
وكمثال نجد طائفة أهل القرآن وهم يتفاوتون في مدى تبنيهم لهذا المنهج، ففيهم الوسطي وفيهم المتطرف.

وأما الطرف الثالث فهم نذر القليل من ذوي الألباب، هم مستقلون بذاتهم و يجتهدون ويتحرون الحق ثم يتبعونه متبعين المنهج الوسطي المعتدل في فكرهم.
وأتشرف أن أكون واحدا منهم وهذه الطائفة من الناس هي المراد بتعزيز صفوفها.

ونجد في النهاية الجمهور أو العامة والذين يتبعون فكر كل طائفة على حدة بنسبة متفاوتة وأما ما تبقى منهم فهم تائهون أو غير مكترثين.

أمام هذا التحليل الموجز لا يسعنا إلا أن نقترح المنهج التالي والذي سيكون أرضية المشروع الذي سوف يساهم في تقويم التراث و تنقيته وغربلته إن صح التعبير .

1. يجب أن نعترف بأن الموروث ثقيل و 14 قرن من الإسلام تحمل تراثا لا يستهان به فيه الصالح و الطالح و ما بينهما. وتصحيحه أو تجديده لا يمكن يكون بين ليلة و ضحاها.
ولنتذكر أن ما وصلنا من تراث ليس كل شيء و أن عامل الزمان والسياسة لعبا ويلعبان دورا مهما في التأثير على التراث
2. المنهج المتبع في النقد من طرف يجب أن لا يكون مبنيا على الرفض والإنكار التام فهذا إجحاف وتعصب لن يقبله أحد، فلا يجوز أن ننهى عن خلق و نأتي مثله.
3. يجب أن نتأسى برسولنا الكريم وقبله بربنا عز و جل في طريقتهم في القضاء على الجاهلية وقت البعثة وذلك بالتدرج في محو التقاليد والأعراف و السلوكات الغير جائزة كما فُعل في الخمر وغيره.
4. اتباع منهج وسطي في النقد فلا نقبل كل شيء و لا نرفض كل شيء.
5. احترام السابقين من الصحابة و العلماء و الأئمة و نقد من يستحق النقد دون تجاوز الحدود.
6. احترام مبدأ الأولويات، فيجب أن نبدأ بمايشكل خطرا على العقيدة ثم ننتقل إلى الأحكام و الشرائع وهكذا، فلا يعقل أن ننتقل مباشرة إلى المسائل الثانوية و نحن ما زلنا في أول الطريق.
7. وأخيرا و ليس آخرا المجادلة بالتي هي أحسن كما أمرنا الله تعالى وهذا الخطاب موجه لكل الأطراف و إلا فستكون العداوة و لن يستفيد من هذا السجال إلى الأعداء.
كان هذا تمهيدا أو إذا صح القول أرضية طريق لمشروع تقويم موروثنا الإسلامي الذي اتسعت ثغراته والتي يراها ويستغلها أعداء الإسلام بالدرجة الأولى. 

و الاستمرارية قائمة لإغناء الحوار، فبالحوار سنرتقي و بالرفض والنقاش العقيم سنهوي إلى أسفل سافلين.

والله المستعان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك برأيك، وكن من المتفاعلين...